أبي منصور الماتريدي

591

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وجائز أن يكون قوله - تعالى - : فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ، أي : أحكام كثيرة مستقيمة ؛ على ما توجبه « 1 » الشريعة والحكمة . وقوله - عزّ وجل - : وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ : يقول أهل التأويل : إنما تفرقوا من بعد ما جاءتهم البينة ، وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم . قال أبو بكر : هذا التأويل خطأ ؛ لأنهم كانوا متفرقين قبل ذلك ؛ فلا معنى لهذا . وعندنا : ليس كما توهم هو ، وهو يخرج على وجهين : أحدهما : وما تفرقوا في محمد صلّى اللّه عليه وسلم إلا من بعد ما جاءهم « 2 » العلم به ، عند ذلك تفرقوا فيه ، فأما قبل ذلك ، كانوا مجتمعين « 3 » فيه كلهم . أو ما تفرقوا في الدين والمذهب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ، أي : عن بيان وعلم تفرقوا في الدين ، وفيما تفرقوا فيه ، وهو ما جعل في خلقة كل أحد دلالة التوحيد والربوبية له ما لو تفكروا ، لعرفوا بأن الله - تعالى - واحد ، والبينة تحتمل من هذا الموضع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم والقرآن ، ونفس الخلقة على ما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ : أي : ما أمر أوائلهم وأواخرهم في تلك الكتب إلا ليعبدوا الله - تعالى - ولا يعبدوا من دونه . أو ما أمروا إلا ليجعلوا الألوهية لله والوحدانية له . ودل قوله : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ على أن تأويل قوله - تعالى - : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] على إضمار الأمر ، أي : إلا ليأمرهم بالعبادة على كل حال ؛ لأنه لو خلقهم للعبادة ما قدروا [ على ] غيره . أو « 4 » أن يكون قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ على الخصوص ، خلق من علم أنه يعبده للعبادة . وقوله - عزّ وجل - : مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ : إخلاص الدين له يخرج على وجهين : أحدهما : أن يخلص له الدين ، ويصفي ، لا يشرك فيه غيره ، ويكون من خلوصه وصفائه . والثاني : الدين الخالص هو الدائم ، كقوله : وَلَهُ الدِّينُ واصِباً . . . [ النحل : 52 ] ،

--> ( 1 ) في أ : يوجب . ( 2 ) في ب : جاءتهم . ( 3 ) زاد في أ : به . ( 4 ) في ب : و .